حفلات فيروز بدون زياد رحباني –  لا ترتقي الى مستوى الإبداع معه.

تشمل حفلات فيروز اسلوبين من الحفلات, واحدة مع زياد الرحباني ويكونوا بعناصر كاملة وحفلات بدونه وبعناصر ناقصة. ولتغي الثانية زخم وقوة الأولى.

 تتميز الحفلات مع زياد بفرقة كاملة وببرنامج شامل (كحفلة بيت الدين 2000, 2001, و2003, مسرحية “صح النوم” 2006, برسي 1988(وإن الفرقة أضعف من بيت الدين), ولندن  1994 (نسخة فيديو غير رسمية) , وأخرى بدونه.  وتشبه هذه الحفلات تصوره الموسيقي في أعماله كحفلاته في دمشق 2008 والتوزيع في تسجيلاته. يكون زياد في هذه الحفلات  ليس فقط عازفا على على آلة البيانو فحسب (وحتى هذا ليس أساس وجوده) ولكن تكون رؤيته لهذا الفن في صلب هذه الحفلات من توزيع آسر مفعم بالحيوية لفرقة كاملة (ان كانت كبيرة كفرقة بيت الدين أو أصغر –  لكن كاملة) وانتقاء لبرنامج زخم وطريقة تمريق الألحان الى هيئة فيروز والكورال. فتكون رؤيتة في كل شيء, وتظهر الحفلة على أنها عمل شامل وآسر مثل اسطوانة “فيروز في بيت الدين” 2000. وهذه الصيغة من زخم وطاقة في توزيعه هي نفسها كما في أعمال عاصي الرحباني ما قبل مرضه في ال1973, كالأفلام الثلاثة والأغاني المسجلة. نفس الغزارة والنشاط والنظافة اللآسرة في التعبير.

أما في الحفلات بدونه أو بدون رؤيته الشاملة (كحفلة لاس فيعاس 1999 (نسخة DVD) و دبي 2001 (DVD), بيت الدين 2002, أثينا 2007, البيال 2010, والبلاتيا 2011), يطغى ضعف على الفرقة والتعبير والبرنامج وقلة نبض: تختصر الفرقة على اساس مثل التخت الشرقي: الصوت الطاغي من الفرقة هو صوت كمنجات مع ايقاع,  مسطح نحيل بعزف خشن و بلا روح. يضاف اليهم آلة نفخ أو آلة “براس” يعطون صوتا يتيما سطحيا بدون أي زخم أو تأثير. العمل كله ثنائي الأبعاد, كصوت رفيع, فتصبح الأعمال سطحية, “كلاسيكية سلبية” كما في DVD لاس فيعاس بدل من الكمال الآسر مع زياد. وذلك الضعف وقلة الحس يوحي بضجر وعشوائسة في العزف الذي يأتي كأنه فرض. مثلا في البيال 2010 وهولندا 2011 هناك خشونة كاريكاتورية في الطريقة التي تهب فيها الفرقة والكمنجات فجأة في “عودك رنان” بعد كلمة  “عيدا كمان” (موجود في المقطع من تلك الأغنية من الريبورتاج الموجود الكترونيا عن حفلة هولندا). الفرق هو بين مقطع  من أغنية “نسم علينا الهوى” من بيت الدين 2000 ومن DVD حفلة لاس فيعاس التي أتت فيها ركيكة, بدون نبض وخشنة.

أما برامج هذه الحفلات فيبدو ايضا فقيرا عشوائيا, بدون رؤية  في انتقاء الأغاني والألحان. فلا يكون ديناميكي مقارنة بالنشاط والطريقة المحبوكة والغزارة مع زياد. وليس الموضوع كم من أغانيه أو الأغاني الجديدة المدرجة في البرامج بل في طريقة التعبير عن كل الأعمال.

تصبح الأغاني في هذه الحفلات مخنوقة وماللة. فرق بين هذا العزف المبطأ المسطح وبين الصوت الممزوج الكامل الآسر في التعبير الذي يصلنا في بيت الدين 2000,2001 و2003 أو في لندن 1994 مع آلات مكتملة وتوزيع غني وتعبير وهيئة نضرة. يصبح زياد وفيروز وكل الآلات مثل خلية نحل تهدر وتشبك, وفيروز بانسجام تام مثلما في بيت الدين 2000و 2001و 2003 وفي لندن. ولهذا لا تقارب بين حفلة البيال والبلاتيا والحفلات من نسج زياد. (ولا يمكن أن تكون حفلة البيال ذروة كبيت الدين 2000 كما وصفها النقاد).

“امي نامت عبكير” في بيت الدين 2002 والبيال 2010 اتت كخط رفيع فقيرة وبدون نبض وبجو ايقاعي. “جسر العودة” في دبي و فرنسا 2002 ركيكة, الفرقة والكمنجات تعزف اللحن بكاريكاتورية ونشاف مصدمين. “سهار” في لاس فيغاس بدون نبض, باردة. اغنية “ما شاورت حالي” في البيال في ال2010 بدت ركيكة بصوت كمنجات تعزف كل جملة بكمجات خشنة كأنها فرض. ”ايه في امل” مجموعة كمنجات بلا روح  مع نوتات اخرى ماللة غير ممزوجة بدل من الأغنية المسكونة في الأسطوانة. في البلاتيا “فايق ولا ناسي” ثنائية الأبعاد, تأتي ببرودة سلبية. الفرقة “تَخبُط” النوتات القوية في بداية سلملي عليه في البيال ومن الربورتاج من هولاندا. والقانون في تلك الصيغة يضفي جو “كلاسيكي سلبي”. أغاني الميلاد في البلاتيا أتوا بلا روح. العزف والأجراس فيها ماللة. الكورال بلا روح أو ابداع.  كذلك في DVD  حفلة دبي 2001, العزف الهادئ رفيع والعالي يهب فجأة بخشونة (مثلا اغنية “شادي”).

والفرق لا يختصر على الألحان والعزف والبرامج, بل ايضا بفيروز وانسجامها وابداعها وفوريتها الذي يتغير ويتبلور في تلك الصورة الشاملة من ترتيب زياد. صوتها واحساسها ليسا مستقلين عن الموسيقى كما يفند النقاد. فالحس والإنسجام وهيئتها الخارجية في بيت الدين 2000 هو غير ومعاكس لبيت الدين 2002 و لاس فيعاس والبيال والبلاتيا. في اعادة زياد لاحياء زخم هذا الفن ما قبل ال1973, تعود فيروز معه لتبدو في بيت الدين 2000 طبيعية شابة, منعشة, صبية, كأنها “نجمة” خارجة من “بنت الحارس”. كذلك في”صح النوم”. وفي لندن 1994 بدت ذائبة غارقة في كثافة وعمق ذلك العزف والتعبير. (رغم الأخطاء في هذه الحفلة الا ان العزف  فيها يفوق ابداع بيت الدين, وفي أماكن الإحساس في الغناء لا مثيل له). وهذا الفرق هو نفسه في استعمال الصور:  استعملت صورة لفيروز من مسرحية “بترا” كغلاف للوثائقي “كانت حكاية” الذي اصدر في ال2009 عن عاصي رحباني, وهي صورة ليست من مرحلة مهمة كما قبل ال1973 لعاصي ولفيرور. صورة ربما من اسؤا مراحل عاصي واكثر شخصيات فيروز سطحية وفاقدة للزخم (كما الشخصيات من لولو وميس الريم وقصيدة حب) (وحتى في التركيز على استعمال صور من حفلاة لاس فيعاس).

 وحتى غناء فيروز يتأثر: في مقاطع من “امي نامت عبكير” في بيت الدين 2002 والبيال,  يصبح هناك تطريب شرقي بشَد أو السكون في منتصف كلمات مثل “يا ورد” و “بتضل” و”شباكي” بعيدة عن جو الأغنية الأصلية. كل رفران يعود بفقر وبعزف غير مشارك وميكانيكي. والعبارة الأخيرة منه “وجيت لعيد العزابي”  تعاد بطريقة ايقاعية, ليصبح جو الأغنية ايقاعيا وعشوائيا (ايضا موجود في ربورتاج حفلة هلندا).  لا توجد تلك النضارة والكمال والهواء الطلق الذي يلف الأغنية في الفيلم وفي أي لحن من اسطوانة بيت الدين 2000 أو“بكتب اسمك” من “ايه في امل”.