من بعد بيت الدين 2000 تمت بعض التغييرات أو التحسينات لحفلات فيروز بدون زياد: تم الإستعانة بنفس قائد الفرقة وبعض من أعضاء الفرقة الأرمنية ومهندس الصوت من تلك الحفلة (ما عدا آخر سنتين). لكنهم هناك لا يعودون عنصرا مهما ولا يحدثون فرقا كبيرا. تبقى هذه التحسينات ليست أساسية بدون الشغل اوالرؤية الشاملة, ولا فرق كبير بين هذه العناصر (وتلك في البيال والبلاتيا) في هذه الصيغة وبين الفرقة ذو القدرات الأقل كما في حفلة لاس فيعاس. وقد كُتب في أحد المقالات بعد حفلة بيت الدين 2002 أن عازفي الفرقة الأرمنية قد خاب أملهم بعد تلك الحفلة (وربما لديهم ذات الرأي في كل الحفلات التي تشبهها).

لا يعود هناك خصوصية أو أهمية في طرح أغاني لم تقدم منذ زمن . أغاني التي تقدمت بهذه الطريقة بدونه وبدون العناصر الكاملة مثل “علموني”, “حبيتك بالصيف”, “امي نامت عبكير” أو “تعا ولا تجي” من حفلة البلاتيا لا يعاد لهم نبض وحياة جديدة كما حدث مع “لا انت حبيبي”من اسطوانة بيت الدين 2000 أو “بحبك ما بعرف” من اسطوانة “الى عاصي” و مع “بعدك على بالي” و”فايق ولا ناسي” وغيرهم مما قدم مع زياد. يمرقون بدون ترك أثر بذلك التعبير الضعيف.  يصبحون مطموسين –  يعزفون ب”كلاسيكية سلبية”.  ولا يعود هناك خصوصية لكل أغنية: كل واحدة تعزف بنفس الطريقة المبطأة والماللة للكمنجات والأيقاع, بنفس الفقر وثنائية الأبعاد. فتصبح مخنوقة, راكدة, بدون روح. لا يوجد فورية وحياة وقوة النظافة الموجودة في “لا الت حبيبي”, بداية من نقرات البزق فيها. تصبح الألحان بحاجة الى هواء طلق.

برأيي عاصي وفيروز كما نراهم قبل ال1973 وفي الأفلام الثلاثة موجودون عند زياد اكثر من ما فيروز نفسها موجودة في حفلاتها بدونه. تُبقي الحفلات بدون زياد على مرحلة ما بعد ال1973 الضعيفة.

برامج الحفلات بدون زياد فقيرة وتبدو بدون رؤية مقارنةً بما يُقدم معه. فلو كان زياد موجودا في البيال ربما لما كانت أغنية “سلملي علية” (وهو كاتب كلماتها وملحنها) هي أول أغنية. برأيي فرق بين البداية بها  أو ب”في قهوة عالمفرق” في بيت الدين 2002 و“عتم يا ليل” في لاس فيغاس 1999 وبين”لا انت حبيبي بتلك النضارة والقوة مع زياد في بيت الدين 2000. وربما ما كان لتدرج اغاني مثل “على جسر اللوزية” في البلاتيا و“بحبك يا لبنان” في ال 2004 أو “آخر ايام الصيفية”  أو “عالطاحوني” في البيال. ولو كان عاصي الرحباني موجودا وبعافيته ربما ما كان ليدرج تلك الأغاني بل كانت انتقاءاته ستكون أقرب لزياد. مقارنة بالبرامج مع زياد التي تركز على عاصي ما بل مرضه. فلا يبدو في الحفلات بدون زياد ان هناك محاولة لإبراز او الإحتفال بما هو عاصي – وفيروز –  الستينات أو ما قبل ال1973.

الإختلاف بين هذه الحفلات ليس في بضع تفاصيل أو بضعة آلات زائدة بوجود زياد – أو وجود آلات تليق بأغاني معينة, أو وجوده الشخصي (وصف أحد النقاد حفلة بيت الدين 2002 بأنها “افتقدت لبيانو زياد” فقط وهذه لم تكن المشكلة في تلك الحفلة) أو كم من أغانيه مدرجة في البرامج.  بل الإختلاف هو في الإبداع كله ورؤيته الشاملة وفي تفسير القديم كله, وفي فورية ونضارة ونشاط الأغاني كلها بدل الأغاني المثقلة بالبطء والخشونة وقلة الروح في الحفلات بدونه. فلا يمكن الكلام عن “توزيع” لزياد في هذه الحفلات.

برأيي هذه الحفلات ليست مشكلة آنية: التنويع بينها وبين والحفلات مع زياد (أو حتى في انزال فيديو حفلة “لاس فيعاس” المخنوقة  بعد السحر والإعجاز الذي حدث في بيت الدين) تلقائيا تغطي على الحفلات المبدعة. اثقلت بيت الدين 2002 نضارة  بيت الدين 2000و 2001. فهي ليست مجرد موسم أو حفلة واحدة بدون زياد مقارنة بثلاث سنوات معه. (ولا يمكن أن يقال أنه ليس من المهم ان البيال لم تكن مثل بيت الدين لأنه كان هناك أسطوانة جديدة رافقت الحفلة).

ربما جزء من المشكلة تكمن في تجزيء النقاد لهذا الفن الى لحن وتوزيع من جهه, وفيروز من جهه اخرى, مما ينقص العمل شموليته التي جعلته يخرق. كل هذه العناصر متشابكة ومحبوكة لتصبح واحدة, تلف بعضها وتوصل بعضها وتخرق سويا لتعطي عملا شاملا.

في تعبير زياد, يبقى عاصي رحباني وفيروز وكل الألحان شابة. معه ليس عاصي وفنه وفيروز المدمرين ما بعد ال1973 أو عاصي الألمبيا 1979 أو الثمانينات. مع زياد تعود الألحان بسيطة وليست مبسطة وشاملة, غزيرة, وبطاقة مليئة.