ايها السادة: عاصي الكبير بيننا

Leave a comment

I don’t know who wrote this, the author’s name is not avialable, but it is worth preserving -

 

عن شابين: فيروز و زياد رحباني

ملاحظات عازف من وراء الكواليس

 

<<ايها السادة: باخ الكبير بيننا>>… منذ سنوات وأنا افكر بهذه العبارة التي اطلقها الملك فريدريك الكبير عندما دخل يوهان سيباستيان باخ وكان يتدرب مع الاوركسترا فياحدىالبروفات… افكر الآن هل من المشروع القول: <<هل حقا لا يزال باخ الكبير بيننا؟>>.

لا ادري كيف قفزت هذه العبارة فجأة <<الى رأسي وأنا على خشبة المسرح، وعلى بعد خطوات من <<ستنا>> فيروز، ومع آخر كلمات اغنية <<نسم علينا الهوا>> وهديرالتصفيقوالصيحات التي مزقت فضاء قصر بيت الدين في الحفلة الاخيرة، تمنيت ان يسمعني الجميع وأنا اردد ما يقوله الجميع في داخلي بصمت: <<ايها السادة: ما زال عاصي الكبير بيننا>> وبتعبير الناقد الراحل نزار مروة: <<ذهاب عاصي الرحباني لا ينهي زمنا، ولا يستهل آخر. حسب هذا الذهاب انه يقيم صلة حية بين زمنين.. زمن ما قبل أواخر الاربعينيات وزمن ما بعد الثمانينيات…>>

لا ادري اين سيكتب من تسعفه الجرأة ليكتب عن الست فيروز، على السطور ام خلفها؟، فوقها، تحتها، عن يمينها ام عن يسارها؟ جربت الاوراق البيضاء مرات ومرات لكنني لم اجد نوعا من الاقلام صديقها، وإن كان ما سأقول مجرد كلمات، فالفعل هناك والحقيقة، انني ابدو كمن ارسله ملك الفراش ليكتشف حقيقة المصباح، لكنه عاد محترق الجناح، فقيل: انه اصاب جزءامن الحقيقة.

هناك، وعلى مقربة امتار من ذاك العاشق من المهد من <<ايام فخر الدين>> غنت ستنا <<لا إنت حبيبي>>، هي وإن كانت المرة العشرين بعد العشرين ألفا التي اسمعها لكني، كانت تلك، المرة الاولى التي اسمعها. إنني هنا ارى كيف يتجمع الهواء في الصدر ليمر عبر الحنجرة عابرا ببركان من العاطفة تخترق القلوب بغزل فجّره التوزيع الجديد، ثم أخمده بؤسالفرنش هورن والاكورد الاخير مع الترومبون، ليقذف بنا زياد رحباني الى الاعمق من اعماقنا. هناك يرمينا وهناك يبقينا.

إنني لطالما رأيت مشهد حكيم صيني كونفوشيوسي النزعة (ربما اصبح شيوعيا مع الثورة) يقف امام زياد ليقول له، لن تخدعني، قل ما شئت عن موسيقاك بأنها صنعت لتظهر في ثياب البهجة والفرح او للرقص بلا ثياب، لن تخدعني، هناك دوما زياد آخر يسكنه حزن بلا مكياج، بؤس بلا ببيّونه (راجع لحن الوتريات في <<مقدمة ميس الريم>> صراخ الترومبيتات في <<ابو علي>> <<ضيعانو>> تقسيمة البيانو في <<شوها لايام>> <<…وقمح>> <<المعتر بكل الارض دايما هو ذاتو>> موال <<موعود بعيونك انا>> من <<عهدير البوسطة>> <<صباح ومسا>> الهارموني في <<كبيرة المزحة هاي>> الحوار الفوغي داخل <<مقدمة 83>> اطلاق الرصاص العفوي في <<عودك رنان>> دور الفيولونسيل في <<زعليطوّل>> <<حتى عيونك يا حبيبي كان عندك غير عيون>> مقدمة اغنية <<اشتقتلك>>… الخ).

هذا الحزن الذي يصل الى حد الصراخ قد ظل نفسه. فزياد هو دائما زياد المثقل بهموم الناس، الممزوجة والمجتمعة بهمومه الشخصية، وسيظل ما دامت <<العيشة سودا ومش بيضا>>، وهو يعلم انها ستظل سوداء ما دامت بيضاء في الركن الشمالي من الكرة وتحديدا في البيت الابيض. هذا الهم الذي حمّله زياد اغانيه الخاصة مع الست فيروز، لم يكن جديدا عليها فهي التي حملت منذ بداياتها هموم الناس والوطن والأمة: <<راجعون 1956>> على مدى نصف قرن وقد ظلت وفية لطلب فخر الدين: <<وإذا يا عطر الليل صار ما صارت وانكسر السيفبتكمل الغنية>> هذه النبوءة التي لم تكن الوحيدة للرحابنة قد صدقت على مدى الايام الى يومنا هذا.

كان علينا ان نجتمع في استوديو الاذاعة الوطنية في اول بروفة لكامل اعضاء الفرقة، وعلى حد تعبير زياد: <<اجتماع لأربع جنسيات يتكلمون اربع لغات ستجمعهم لغة واحدة>>… الساعة السادسة تجمع حشد الموسيقيين وبدأت البروفة بعدما اخذ كل موقعه… وبعد مضي فترة من الزمن تأتي الست فيروز وتعبر باتجاه حجرة الكونترول في الاستوديو وتأخذ بمراقبة الاوركسترا عبر الزجاج… ومع دخولها تنتهي لحظة انتظار اللقاء… العازفون الذين اتوا من بلدان مختلفة ليعزفوا مع مغنية طالت بشهرتها اصقاع الارض لم يعرفوها قبلا ولم يعزفوا معها، ها هم معها وجها لوجه… واذا كان الجميع قد اطلعوا سابقا على النوطات التي ارسلها إليهم زياد لكن تظل للبروفة الاولى وللقاء الاول رهبتها… كان العدد الاكبر من العازفين هم من الارمن.

في قصر بيت الدين وبعد ايام انطلقت البروفات النهائية استعدادا للحفلة… ويأتي زياد متأخرا كعادته، او لا يأتي لكنه هناك في بيروت يقوم بما هو اهم. لقد ظل حتى الساعة السابعة مساءً يعد توزيعاته الجديدة، انه يريد حتى اللحظات الاخيرة ان ينجز ما يمكن انجازه، وقد أدرك أنه أمام عازفين محترفين، فمن يعلم؟ قد لا تتكرر له مثل هذه الفرصة على المدى المنظور… وكانت الست تسألنا سؤالا تتمنى ان تتغير أجابته: <<ما إجا زياد؟>>، فقد كان لا بد من وجوده في كثير من الاحيان لحسم بعض الاشكالات الموسيقية… حقيقة كان زياد كثيرا ما يتصل من بيروت ليستمع عبر موبيل ما لبروفة أغنية كان قد بعث بنوطاتها للتو، فقد كان على اطلاع دقيق على ما يجري، مع انه سيكون على اطلاع أدق عندما يستمع الى كاسيت البروفات… وكثيرا عندما كان يأتي الى البروفات يوجه ملاحظاته للعازفين وبالاسم <<في أغنية كذا، انت اخطأت بكذا، او ممكن تعزفها هيك…>>… ولا أدري لو كان واحدنا ممّن عاشوا قبل قرنينلاتهم زياد بالشعوذة فكيف له ان يعرف ما يجري لو لم يكن ساحرا!؟

في بروفة أغنية <<يا محلا ليالي الهوا>> يقول لي عازف بجواري: <<وين صرنا؟>> فأجيبه: <<ما بعرف>>. حقا كان علينا بموجب العقود ان نراقب النوطات الموسيقية لكي نعزف أدوارنا وليس أن نراقب السحر الذي يغنّي. كيف يمكن للست فيروز بعد مضي كل تلك السنين ان تحتفظ بسهر وألق الأداء الأول لهذه الأغنية؟… لا أدري، انه سؤال يشبه آخر: ما السر الذي يجعلها تقف مجددا مع جمهورها على خشبة المسرح. لم أجد دافعا أقوى من التصوّف. الغناء تحوّل الى ما يشبه العبادة والصلاة. هل يكف المؤمن عن إيمانه اذا تقدم السن به؟.<<بنذر صوتي، حياتي وموتي، لمجد لبنان>>.

أتلصص على بعض الأدوار المكتوبة للآلات، مرة بالنظر وأخرى بالسمع عندما لا يكون لي دور في بعض الأغاني. ومن وراء عازف الدرامز الهولندي، أراقب دوره في <<عندي ثقةفيك>> وبعد الانتهاء منها أسأله: ما رأيك؟ الى أي نوع او ستيل تنتمي موسيقى هذه الاغنية؟ بالاد “BALLAD” مثلا؟ فيجيب: ليس تماما.

وهذه ال: ليس تماما هي ميزة تسجّل للمؤلف الشرقي الذي لا تحكمه قوالب موسيقية معروفة <<غربية>>. زياد، عن وعي، يدرك أن نحت قوالب موسيقية شرقية يحتاج الى تجاربكثيرة والى الزمن الكافي لاختبارها. وهذه الصيغ الجاهزة التي لا يقبلها الشرق ببساطة تنساق بالإجمال على مختلف الميادين <<بما فيها السياسة>>.

عازف الدرامز الذي قال إنه لم يكن قد سمع بفيروز او استمع إليها، كان يخوض تجربته هذه بمنتهى السعادة ودهشة الاكتشاف. هناك في الكواليس كنا ندردش ويستمع بعضنا الى أحاديث وتعليقات البعض. مثلا: استمع الى عازف التينورساكس الارمني وهو يقول لعازف ترومبيت فرنسي عن الموسيقى الآلية التي عزفها تحديدا “Crazy music” وماسترعازفي الكمان الاولى ان هذه الموسيقى لا تعني العرب وحدهم، انها موسيقى شرقية مقدمة بشكل راق وليست محلية صرفا.

وما أن انتهت الحفلة الاولى والثانية، حتى ابتدأت الصحافة تدلو بدلوها وبدأ الصحافيون المتخصصون بجميع أنواع النقد، بترجمة أحاسيسهم وقذفنا بتحليلات هي في الحقيقة كل مايعرفون.

لو لم يكن زياد موجودا والحارس الحصري لتراث أهله لكنا قد شاهدنا الويلات من قراصنة الموسيقى من أقرب المقرّبين الى الخليج ومن المحيط الى أقرب المقرّبين.
شكرا زياد، مكتوبةً لأنه لم يكن لديك الوقت الكافي لكي تسمعها، ولأنك تدفع ضريبة صمودك وحيدا، ولأنك كما قال عنك أحد المنتقدين: <<… اذا كان الرحابنة معلمي مرحلة في الغناء فإننا في صحراء الموسيقى العربية اليوم لا نجد أملا سوى زياد الرحباني>>.

 

حفلات فيروز بدون زياد رحباني – لا ترتقي الى مستوى الإبداع معه

Leave a comment

حفلات فيروز بدون زياد رحباني –  لا ترتقي الى مستوى الإبداع معه.

تشمل حفلات فيروز اسلوبين من الحفلات, واحدة مع زياد الرحباني ويكونوا بعناصر كاملة وحفلات بدونه وبعناصر ناقصة. ولتغي الثانية زخم وقوة الأولى.

 تتميز الحفلات مع زياد بفرقة كاملة وببرنامج شامل (كحفلة بيت الدين 2000, 2001, و2003, مسرحية “صح النوم” 2006, برسي 1988(وإن الفرقة أضعف من بيت الدين), ولندن  1994 (نسخة فيديو غير رسمية) , وأخرى بدونه.  وتشبه هذه الحفلات تصوره الموسيقي في أعماله كحفلاته في دمشق 2008 والتوزيع في تسجيلاته. يكون زياد في هذه الحفلات  ليس فقط عازفا على على آلة البيانو فحسب (وحتى هذا ليس أساس وجوده) ولكن تكون رؤيته لهذا الفن في صلب هذه الحفلات من توزيع آسر مفعم بالحيوية لفرقة كاملة (ان كانت كبيرة كفرقة بيت الدين أو أصغر –  لكن كاملة) وانتقاء لبرنامج زخم وطريقة تمريق الألحان الى هيئة فيروز والكورال. فتكون رؤيتة في كل شيء, وتظهر الحفلة على أنها عمل شامل وآسر مثل اسطوانة “فيروز في بيت الدين” 2000. وهذه الصيغة من زخم وطاقة في توزيعه هي نفسها كما في أعمال عاصي الرحباني ما قبل مرضه في ال1973, كالأفلام الثلاثة والأغاني المسجلة. نفس الغزارة والنشاط والنظافة اللآسرة في التعبير.

أما في الحفلات بدونه أو بدون رؤيته الشاملة (كحفلة لاس فيعاس 1999 (نسخة DVD) و دبي 2001 (DVD), بيت الدين 2002, أثينا 2007, البيال 2010, والبلاتيا 2011), يطغى ضعف على الفرقة والتعبير والبرنامج وقلة نبض: تختصر الفرقة على اساس مثل التخت الشرقي: الصوت الطاغي من الفرقة هو صوت كمنجات مع ايقاع,  مسطح نحيل بعزف خشن و بلا روح. يضاف اليهم آلة نفخ أو آلة “براس” يعطون صوتا يتيما سطحيا بدون أي زخم أو تأثير. العمل كله ثنائي الأبعاد, كصوت رفيع, فتصبح الأعمال سطحية, “كلاسيكية سلبية” كما في DVD لاس فيعاس بدل من الكمال الآسر مع زياد. وذلك الضعف وقلة الحس يوحي بضجر وعشوائسة في العزف الذي يأتي كأنه فرض. مثلا في البيال 2010 وهولندا 2011 هناك خشونة كاريكاتورية في الطريقة التي تهب فيها الفرقة والكمنجات فجأة في “عودك رنان” بعد كلمة  “عيدا كمان” (موجود في المقطع من تلك الأغنية من الريبورتاج الموجود الكترونيا عن حفلة هولندا). الفرق هو بين مقطع  من أغنية “نسم علينا الهوى” من بيت الدين 2000 ومن DVD حفلة لاس فيعاس التي أتت فيها ركيكة, بدون نبض وخشنة.

أما برامج هذه الحفلات فيبدو ايضا فقيرا عشوائيا, بدون رؤية  في انتقاء الأغاني والألحان. فلا يكون ديناميكي مقارنة بالنشاط والطريقة المحبوكة والغزارة مع زياد. وليس الموضوع كم من أغانيه أو الأغاني الجديدة المدرجة في البرامج بل في طريقة التعبير عن كل الأعمال.

تصبح الأغاني في هذه الحفلات مخنوقة وماللة. فرق بين هذا العزف المبطأ المسطح وبين الصوت الممزوج الكامل الآسر في التعبير الذي يصلنا في بيت الدين 2000,2001 و2003 أو في لندن 1994 مع آلات مكتملة وتوزيع غني وتعبير وهيئة نضرة. يصبح زياد وفيروز وكل الآلات مثل خلية نحل تهدر وتشبك, وفيروز بانسجام تام مثلما في بيت الدين 2000و 2001و 2003 وفي لندن. ولهذا لا تقارب بين حفلة البيال والبلاتيا والحفلات من نسج زياد. (ولا يمكن أن تكون حفلة البيال ذروة كبيت الدين 2000 كما وصفها النقاد).

“امي نامت عبكير” في بيت الدين 2002 والبيال 2010 اتت كخط رفيع فقيرة وبدون نبض وبجو ايقاعي. “جسر العودة” في دبي و فرنسا 2002 ركيكة, الفرقة والكمنجات تعزف اللحن بكاريكاتورية ونشاف مصدمين. “سهار” في لاس فيغاس بدون نبض, باردة. اغنية “ما شاورت حالي” في البيال في ال2010 بدت ركيكة بصوت كمنجات تعزف كل جملة بكمجات خشنة كأنها فرض. ”ايه في امل” مجموعة كمنجات بلا روح  مع نوتات اخرى ماللة غير ممزوجة بدل من الأغنية المسكونة في الأسطوانة. في البلاتيا “فايق ولا ناسي” ثنائية الأبعاد, تأتي ببرودة سلبية. الفرقة “تَخبُط” النوتات القوية في بداية سلملي عليه في البيال ومن الربورتاج من هولاندا. والقانون في تلك الصيغة يضفي جو “كلاسيكي سلبي”. أغاني الميلاد في البلاتيا أتوا بلا روح. العزف والأجراس فيها ماللة. الكورال بلا روح أو ابداع.  كذلك في DVD  حفلة دبي 2001, العزف الهادئ رفيع والعالي يهب فجأة بخشونة (مثلا اغنية “شادي”).

والفرق لا يختصر على الألحان والعزف والبرامج, بل ايضا بفيروز وانسجامها وابداعها وفوريتها الذي يتغير ويتبلور في تلك الصورة الشاملة من ترتيب زياد. صوتها واحساسها ليسا مستقلين عن الموسيقى كما يفند النقاد. فالحس والإنسجام وهيئتها الخارجية في بيت الدين 2000 هو غير ومعاكس لبيت الدين 2002 و لاس فيعاس والبيال والبلاتيا. في اعادة زياد لاحياء زخم هذا الفن ما قبل ال1973, تعود فيروز معه لتبدو في بيت الدين 2000 طبيعية شابة, منعشة, صبية, كأنها “نجمة” خارجة من “بنت الحارس”. كذلك في”صح النوم”. وفي لندن 1994 بدت ذائبة غارقة في كثافة وعمق ذلك العزف والتعبير. (رغم الأخطاء في هذه الحفلة الا ان العزف  فيها يفوق ابداع بيت الدين, وفي أماكن الإحساس في الغناء لا مثيل له). وهذا الفرق هو نفسه في استعمال الصور:  استعملت صورة لفيروز من مسرحية “بترا” كغلاف للوثائقي “كانت حكاية” الذي اصدر في ال2009 عن عاصي رحباني, وهي صورة ليست من مرحلة مهمة كما قبل ال1973 لعاصي ولفيرور. صورة ربما من اسؤا مراحل عاصي واكثر شخصيات فيروز سطحية وفاقدة للزخم (كما الشخصيات من لولو وميس الريم وقصيدة حب) (وحتى في التركيز على استعمال صور من حفلاة لاس فيعاس).

 وحتى غناء فيروز يتأثر: في مقاطع من “امي نامت عبكير” في بيت الدين 2002 والبيال,  يصبح هناك تطريب شرقي بشَد أو السكون في منتصف كلمات مثل “يا ورد” و “بتضل” و”شباكي” بعيدة عن جو الأغنية الأصلية. كل رفران يعود بفقر وبعزف غير مشارك وميكانيكي. والعبارة الأخيرة منه “وجيت لعيد العزابي”  تعاد بطريقة ايقاعية, ليصبح جو الأغنية ايقاعيا وعشوائيا (ايضا موجود في ربورتاج حفلة هلندا).  لا توجد تلك النضارة والكمال والهواء الطلق الذي يلف الأغنية في الفيلم وفي أي لحن من اسطوانة بيت الدين 2000 أو“بكتب اسمك” من “ايه في امل”.

زياد رحباني: الإبداع و الحَف النهائي والرؤية الشاملة – والطاقة الكامنة والغزارة

Leave a comment

يغيب مع غياب زياد عن حفلات فيروز الحَف النهائي –  وهو ما يجعل العمل ابداعي وشامل. تغيب “نظافة” وعذوبة وغزارة وطاقة لا مثيل لها في التوزيع وتبلور في التعبير في كل نقرة كما بدى في “لا انت حبيبي” من “فيروز في بيت الدين 2000″ –  بداية أول النقرات المليئة للبزق. وما يفعله زياد في هذه الحفلات ليس بجديد أو بحداثة كما يوصفه النقاد, بل هو نفس مبدأ التعبير في تسجيلات ما قبل ال1973 كالأفلام الثلاثة وما سجل في الأستديو. طور زياد فقط الحفلات الحية لتُعبر عن هذا الكمال ربما مثلما كان ليفعل عاصي لو كان موجودا وبعافيته اليوم. لا بد أن من كان يسجل بهذه الطريقة كل سنة وكان هذا التوزيع الكامل اساسيا منذ الخمسينات الى ال1973, كان ليطور فنه لتكون طلاته الحية بعد عقود مثلما هي مع زياد.

عن وجود زياد في حفلات فيروز

Leave a comment

يتم المزج أو القصد بعدم التمييز بين حفلات فيروز مع زياد وتلك التي بدونه, ليبدو وكأن الفرق الوحيد بين تلك الحفلات هي فقط وجود زياد على البيانو وبضعة تفاصيل مثل زيادة بضعة آلات.  وفي ذلك كثير من الظلم والإجحاف لذلك الإبداع. يصبح لا فرق جوهري بين بيت الدين 2002 وأثينا ولاس فيعاس الفاقدين الى نبض وبين بيت الدين 2000 ومثيلاتها – كأنه زياد فقط هنا على البيانو وهناك وراء الكواليس أو غير حاضر. يصبح كأنه لا يوجد خصوصية لبيت الدين 2000 والحفلات التي تشبهها. قد كُتب في أحد المقالات بعد حفلة بيت الدين 2002 – التي لم تكن حفلة آنية بل أثقلت نضارة بيت الدين 2000 و2001 و 2003 –  أن عازفي الفرقة الأرمنية قد خاب أملهم بعد تلك الحفلة (وربما لديهم ذات الرأي في كل الحفلات التي تشبهها).

مثلا سؤلت ريما الرحباني في مقابلة أذاعية في 2010 بعد حفلات البيال عن عدم وجود زياد, وقالت بأن “زياد كان موجود, لا يهم اذا هو على المسرح أو في الكواليس لكن المهم أنه موجود” لانه اصلا “ليس دائما على المسرح مع فيروز”. تكمل بأن المهم أن تغني فيروز, أو أن وجود فيروز هو الكافي وهم عبارتان برأيي ضيقتان.  ذكرت أيضا في مقابلة صحافية أنه أشرف على التمرينات النهائية كجزء من تبيان وجوده أو مشاركته في الحفلة. ربما يدل هذا على وجوده الشخصي, ساهم وساعد, لكن هذا لا يعني أن زياد كان موجودا كما في بيت الدين 2000 أو أن الفرق بوجوده أو عدم وجوده مجرد بضعة تفاصيل. هذا تفسير غير دقيق وسلبي لمعنى وجود زياد. وقد قيل نفس الكلام عن عدم وجوده في فترة بيت الدين 2002 التي اتت كالصدمة. فموضوع وجود زياد ليس بوجوده الشخصي بل في رؤيته الشاملة التي تدخل على كل شيء في تقديم وتوزيع وعزف ونضارة الأغاني وكل أعضاء الحفل: في البلاتيا والبيال هو ليس في أي مكان, إن كان في البرنامج أغاني له وإن كان موجودا وراء الكواليس أو ساعد في التمرينات النهائية. الفرق هو في كل الرؤية. لم يكن زياد موجودا بنفسه في حفلة فيروز في لندن 1994 ولم يحتوي برنامج تلك الحفلة الا على القليل من الحانه, ولكنه كان موجودا في كل شيء (ربما وجوده الشخصي عند البيانو وفي التمارين كان ليجعلها متقنة أكثر لكن تبقى هذه الحفلة رائعة.) وكان وراء الكواليس في “صح النوم” في البيال 2006, ولم يكن موجودا شخصيا في أيا من عروض هذه المسرحية في بلاد أخرى, لكنه في كل ذلك الإبداع كان موجودا في كل شيء. بنفس الطريقة عنون الناقد بشير صفير مقالة في جريدة “الأخبار” ابان حفلات البيال في ال2010 ب” «إيه في أمل»… وزياد حاضر في كل الأحوال” -  عبارة كأنها تحاول ضمنيا الإقتناع بوجود زياد بعدما تم التأكد من أن الحفلات لن تكون كبيت الدين 2000.

بعد حفلات البيال 2010 وضعت ايضا ريما الرحباني ربورتاج على صفحتها الإلكترونية تظهر التمرينات التي سبقت الحفلات, يظهر فيها زياد في التمرينات, لترمز بانه موجود, وينتهي بصورة لعاصي الرحباني مركبة أمام زياد وفيروز لترمز أن العمل أو الحفلة تكملة له. لكن برايي لا تعبر هذه الحفلات عنهما وليسوا موجودين فيها كما تفعل لندن وبيت الدين.

(1973 زياد رحباني: هو تكملة عاصي رحباني الشاب المتعافي (قبل

Leave a comment

في مقابلة تلفزيونية بمناسبة حفلات فيروز وزياد في بيت الدين سنة 2001, قالت ريما رحباني ابنة فيروز ان “زياد هو عاصي” وأن لو كان عاصي موجودا اليوم لكان توصّل الى ولحن نفس الألحان التي وصل اليها زياد. وكثيرون من متابعي هذا الفن مقتنعون بهذا. لكن لمذا يُختصر تكملة زياد لعاصي, أو تطور عاصي, فقط بالألحان التي َتوَصل اليها زياد وليس الى كل شيء آخر: لو كان عاصي موجودا وبعافيته ربما لكان التعبير في الإطلالات الحية والتوزيع الحي ومعنى ما ينتقى من ألحان والشكل النهائي لكل شيء هو كما يراه زياد. لكان أصبح المسرح هو الإستديو.

في هذا السياق, يعطى كسبب لهذه الحفلات وجهة النظر السائدة بأن الحفلات الحية مع عاصي كانت على هذا الشكل وأن زياد طورها. لكن برأيي هذه تصنيف غير صحيح. أولا ما قبل ال1973 (مرض عاصي وانتهائه على حد قوله) كان التعبير الأساسي عن هذا الفن بالأعمال والتسجيلات ذو العناصر الكاملة  (كما الحفلات مع زياد) و كانت الحفلات الغنائية أو الجولات قليلة. أصبحت الحفلات الغنائية هي الأسلوب الأساسي للتعبير عن هذا الفن بعد مرضه. (لو كانت هي التعبير عن هذا الفن قبل ال1973 ربما ما كانت لتكوم على ذلك الشكل بل كانت على شكل تسجيلات الأستديو). ولكن حتى ولو كانت الحفلات قبل ال1973 بهذه الطريقة, بكم كان عاصي ثائرا وكم كان مهتما بتوزيع ابداعي بأصوات كاملة وبالتعبير بحس عال لكل الألحان والأعمال كما نسمع في الأفلام الثلاثة  أو”حكاية الأسوارة” في التسجيلات, وبكم كان يتطور, وبما أن الحفلات الغنائية هي أكثر ما يحدث الآن, لا يمكن الا أن يكون  ليتوصل اليوم بعد عقود الى نفس صيغة زياد لكل الإطلالات الحية مثل لندن وبيت الدين 2000 بفرقة كاملة تكون فيها كل العناصر من الفرقة الى التوزيع وفيروز متشابكين بطريقة عضوية متكاملة كما كما مع زياد. وما كان ليبقي على صيغة حفلات الجولات الرتيبة. لهذا برأيي لا يمكن لهذه الحفلات أن تكون تكملة لعاصي.

التأثير السلبي لحفلات فيروز بدون زياد

Leave a comment

من بعد بيت الدين 2000 تمت بعض التغييرات أو التحسينات لحفلات فيروز بدون زياد: تم الإستعانة بنفس قائد الفرقة وبعض من أعضاء الفرقة الأرمنية ومهندس الصوت من تلك الحفلة (ما عدا آخر سنتين). لكنهم هناك لا يعودون عنصرا مهما ولا يحدثون فرقا كبيرا. تبقى هذه التحسينات ليست أساسية بدون الشغل اوالرؤية الشاملة, ولا فرق كبير بين هذه العناصر (وتلك في البيال والبلاتيا) في هذه الصيغة وبين الفرقة ذو القدرات الأقل كما في حفلة لاس فيعاس. وقد كُتب في أحد المقالات بعد حفلة بيت الدين 2002 أن عازفي الفرقة الأرمنية قد خاب أملهم بعد تلك الحفلة (وربما لديهم ذات الرأي في كل الحفلات التي تشبهها).

لا يعود هناك خصوصية أو أهمية في طرح أغاني لم تقدم منذ زمن . أغاني التي تقدمت بهذه الطريقة بدونه وبدون العناصر الكاملة مثل “علموني”, “حبيتك بالصيف”, “امي نامت عبكير” أو “تعا ولا تجي” من حفلة البلاتيا لا يعاد لهم نبض وحياة جديدة كما حدث مع “لا انت حبيبي”من اسطوانة بيت الدين 2000 أو “بحبك ما بعرف” من اسطوانة “الى عاصي” و مع “بعدك على بالي” و”فايق ولا ناسي” وغيرهم مما قدم مع زياد. يمرقون بدون ترك أثر بذلك التعبير الضعيف.  يصبحون مطموسين –  يعزفون ب”كلاسيكية سلبية”.  ولا يعود هناك خصوصية لكل أغنية: كل واحدة تعزف بنفس الطريقة المبطأة والماللة للكمنجات والأيقاع, بنفس الفقر وثنائية الأبعاد. فتصبح مخنوقة, راكدة, بدون روح. لا يوجد فورية وحياة وقوة النظافة الموجودة في “لا الت حبيبي”, بداية من نقرات البزق فيها. تصبح الألحان بحاجة الى هواء طلق.

برأيي عاصي وفيروز كما نراهم قبل ال1973 وفي الأفلام الثلاثة موجودون عند زياد اكثر من ما فيروز نفسها موجودة في حفلاتها بدونه. تُبقي الحفلات بدون زياد على مرحلة ما بعد ال1973 الضعيفة.

برامج الحفلات بدون زياد فقيرة وتبدو بدون رؤية مقارنةً بما يُقدم معه. فلو كان زياد موجودا في البيال ربما لما كانت أغنية “سلملي علية” (وهو كاتب كلماتها وملحنها) هي أول أغنية. برأيي فرق بين البداية بها  أو ب”في قهوة عالمفرق” في بيت الدين 2002 و“عتم يا ليل” في لاس فيغاس 1999 وبين”لا انت حبيبي بتلك النضارة والقوة مع زياد في بيت الدين 2000. وربما ما كان لتدرج اغاني مثل “على جسر اللوزية” في البلاتيا و“بحبك يا لبنان” في ال 2004 أو “آخر ايام الصيفية”  أو “عالطاحوني” في البيال. ولو كان عاصي الرحباني موجودا وبعافيته ربما ما كان ليدرج تلك الأغاني بل كانت انتقاءاته ستكون أقرب لزياد. مقارنة بالبرامج مع زياد التي تركز على عاصي ما بل مرضه. فلا يبدو في الحفلات بدون زياد ان هناك محاولة لإبراز او الإحتفال بما هو عاصي – وفيروز -  الستينات أو ما قبل ال1973.

الإختلاف بين هذه الحفلات ليس في بضع تفاصيل أو بضعة آلات زائدة بوجود زياد – أو وجود آلات تليق بأغاني معينة, أو وجوده الشخصي (وصف أحد النقاد حفلة بيت الدين 2002 بأنها “افتقدت لبيانو زياد” فقط وهذه لم تكن المشكلة في تلك الحفلة) أو كم من أغانيه مدرجة في البرامج.  بل الإختلاف هو في الإبداع كله ورؤيته الشاملة وفي تفسير القديم كله, وفي فورية ونضارة ونشاط الأغاني كلها بدل الأغاني المثقلة بالبطء والخشونة وقلة الروح في الحفلات بدونه. فلا يمكن الكلام عن “توزيع” لزياد في هذه الحفلات.

برأيي هذه الحفلات ليست مشكلة آنية: التنويع بينها وبين والحفلات مع زياد (أو حتى في انزال فيديو حفلة “لاس فيعاس” المخنوقة  بعد السحر والإعجاز الذي حدث في بيت الدين) تلقائيا تغطي على الحفلات المبدعة. اثقلت بيت الدين 2002 نضارة  بيت الدين 2000و 2001. فهي ليست مجرد موسم أو حفلة واحدة بدون زياد مقارنة بثلاث سنوات معه. (ولا يمكن أن يقال أنه ليس من المهم ان البيال لم تكن مثل بيت الدين لأنه كان هناك أسطوانة جديدة رافقت الحفلة).

ربما جزء من المشكلة تكمن في تجزيء النقاد لهذا الفن الى لحن وتوزيع من جهه, وفيروز من جهه اخرى, مما ينقص العمل شموليته التي جعلته يخرق. كل هذه العناصر متشابكة ومحبوكة لتصبح واحدة, تلف بعضها وتوصل بعضها وتخرق سويا لتعطي عملا شاملا.

في تعبير زياد, يبقى عاصي رحباني وفيروز وكل الألحان شابة. معه ليس عاصي وفنه وفيروز المدمرين ما بعد ال1973 أو عاصي الألمبيا 1979 أو الثمانينات. مع زياد تعود الألحان بسيطة وليست مبسطة وشاملة, غزيرة, وبطاقة مليئة.

Leave a comment

فيروز وعاصي- كما نراهم في الأفلام الثلاثة – موجودون عند زياد اكثر من ما فيروز نفسها موجودة في حفلاتها بدون زياد.

Older Entries

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.